الآلوسي

17

تفسير الآلوسي

ليشاهدوا الإيمان ويشهدوا به ، ففي الكلام إشارة إلى أن مراد اللعين ومنتهى آماله من تزيين تعاطي شرب الخمر واللعب بالميسر الايقاع في الكفر الموجب للخلود معه في النار وبئس القرار . ثم إنه سبحانه أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام الانكاري مع الجملة الاسمية مرتباً على ما تقدم من أصناف الصوارف فقال جل شأنه : * ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْتَهُونَ ) * إيذاناً بأن الأمر في الردع والمنع قد بلغ الغاية وأن الأعذار قد انقطعت بالكلية حتى إن العاقل إذا خلي ونفسه بعد ذلك لا ينبغي أن يتوقف في الانتهاء . ووجه تلك التأكيدات أن القوم رضي الله تعالى عنهم كما قيل كانوا مترددين في التحريم بعد نزول آية البقرة ( 219 ) ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه : " اللهم بين لنا في ذلك بياناً شافياً " فنزلت هذه الآية ، ولما سمع عمر رضي الله تعالى عنه * ( فهل أنتم منتهون ) * قال : " انتهينا يا رب " ، وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال : أول ما نزل في تحريم الخمر * ( يسألونك عن الخمر والميسر ) * ( البقرة : 219 ) الآية ، فقال بعض الناس : نشربها لمنافعها التي فيها ، وقال آخرون : لا خير في شيء فيه إثم ثم نزل * ( يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) * ( النساء : 43 ) الآية فقال بعض الناس : نشربها ونجلس في بيوتنا ، وقال آخرون لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين فنزلت : * ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ) * الآية فانتهوا . وأخرج عن قتادة قال : ذكر لنا أن هذه الآية لنا نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله سبحانه قد حرم الخمر فمن كان عنده شيء فلا يطعمه ولا تبيعوها " فلبث المسلمون زمانا يجدون ريحها من طرق المدينة مما أهراقوا منها . وأخرج عن الربيع أنه قال لما نزلت آية البقرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ربكم يقدم في تحريم الخمر " ثم نزلت آية النساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن ربكم يقدم في تحريم الخمر " ثم نزلت آية بالمائدة فحرمت الخمر عند ذلك . وقد تقدم في آية البقرة شيء من الكلام في هذا المقام فتذكر . * ( وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ واحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) * . * ( وَأَطيعُوا اللَّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ ) * عطف على " اجتنبوه " أي أطيعوهما في جميع ما أمرا به ونهيا عنه ويدخل فيه أمرهما ونهيهما في الخمر والميسر دخولاً أولياً * ( واحْذَرُوا ) * أي مخالفتهما في ذلك وهذا مؤكد للأمر الأول ، وجوز أن يكون المراد أطيعوا فيما أمرا واحذروا عما نهيا فلا تأكيد . وجوز أيضاً أن لا يقدر متعلق للحذر أي وكونوا حاضرين خاشعين وأمروا بذلك لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة * ( فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ ) * أي أعرضتهم ولم تعملوا بما أمرتم به * ( فَاعْلَمُوا أنَّمَا عَلَى رَسُولنَا الْبَلاَغُ الْمُبينُ ) * أي ولم يأل جهداً في ذلك فقامت عليكم الحجة وانتهت الأعذار وانقطعت العلل ولم يبق بعد ذلك إلا العقاب . وفي هذا كما قال الطبرسي وغيره من التهديد وشدة الوعيد ما لا يخفى ، وقيل : إن المعنى فاعلموا أنكم لن تضروا بتوليتكم الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات وقد فعل وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتموه وليس بشيء إذ لا يتوهم منهم ادعاء الضرر بتوليتهم حتى يرد عليهم . ومثل ذلك ما قيل : إن المعنى فإن توليتم فلا تطمعوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يهملكم لأن ما على الرسول إلا البلاغ المبين فلا يجوز له ترك البلاغ . * ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ واللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) * . * ( لَيْسَ عَلَى الَّذينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالحَات جُنَاحٌ ) * أي إثم وحرج